مجمع البحوث الاسلامية
199
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الرّاغب : « ينسب إلى البرد ، لكونه نابتا فيه » . والبرديّ : ضرب من أجود التّمر ، سمّي بذلك إمّا لكونه يبرد المعدة بطبعه ، وإمّا يسخّنها ، من : برّد الشّيء ، إذا أسخنه . والبردة : كساء كانت العرب تلتحف به ، جمعها : برد ، ويقال له : البرد أيضا ، وهو من هذا المعنى ، وقد شبّه به بردا الجرادة ، أي جناحاها ، كما شبّهت الشّملة المخطّطة بلون النّمر ، فقيل لها : نمرة . 4 - وتجوّز فيه وتوسّع ، فقيل : لا تبرّد عن فلان بقول ، أي إن ظلمك فلا تشتمه فتنقص من إثمه ، وإنّ أصحابك لا يبالون ما برّدوا عليك ، أي ما أثبتوا عليك ، ولي عليه ألف بارد . أي ثابت ، وسموم بارد : ثابت لا يزول ، ولم يبرد بيدي منه شيء ، أي لم يستقرّ ولم يثبت ، وبرد الموت على مصطلاه ، أي ثبت عليه . 5 - وأمّا البريد فهو ليس عربيّا ، بل فارسيّ الأصل ، وأصله في الفارسيّة « بريده دم » ، أي محذوف الذّنب ، لأنّ بغال البريد كانت محذوفة الأذناب ، كما قال الزّمخشريّ . وكانت العرب تطلق البريد على مسافة معيّنة ، وهي ستّة أميال ، وعلى الرّسول ، ومنه الحديث النّبويّ : « إذا أبردتم إليّ بريدا فاجعلوه حسن الوجه حسن الاسم » ، ومنه قول بعض العرب : الحمّى بريد الموت . كما كان يطلق أيضا على دابّة البريد ، لسيرها في البريد . ويطلق هذا اللّفظ اليوم على الخطابات والطّرود المرسلة من مكان إلى آخر برّا أو جوّا أو بحرا ، بواسطة مؤسّسة خاصّة تسمّى « دائرة البريد » ، تسخّر سعاة يقومون بتوزيع الطّرود والرّسائل على أصحابها ، لقاء رسم يدفعه المرسل سلفا ، بعنوان طابع بريديّ يلصق على ظرف الرّسالة أو الطّرد . الاستعمال القرآنيّ جاء « البرد » في القرآن بالمعنى الحقيقيّ فقط في الآيات الخمس : 1 - ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ ص : 42 2 - وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ الواقعة : 43 ، 44 3 - قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ الأنبياء : 69 4 - لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً النّبأ : 24 5 - وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ النّور : 43 يلاحظ أوّلا : أنّ البرودة في هذه الآيات - عدا الأخيرة - جاءت طباقا للحرارة ، وإن لم يتقدّم لها ذكر ، وإنّما يظهر معناها من السّياق ، ففي ( 1 ) حرارة جسم أيّوب إثر وطأة المرض ، وفي ( 2 ) حرارة جهنّم الشّديدة ، وفي ( 3 ) حرارة نار النّمرود ، وفي ( 4 ) حرارة جهنّم . ثانيا : استعمل القرآن البرودة نقيضا لحرارة جهنّم في ( 2 ) و ( 4 ) ، وهو إيماء إلى أثر البرودة في ذلك الموقف العسير ، لأنّ العرب يدركون أكثر من غيرهم مدى أهمّيّتها لهم في بيئتهم القاسية ، كالظّلّ في يوم قائظ ، والماء البارد في أوار الحرّ . وقد استعمل القرآن الحرارة في وصف حرّ نار جهنّم وشدّة الحرّ معا ، وهو قوله تعالى :